قلت أن الفترة ليست مثالية، فعليًا العالم ليس مكانًا مثاليًا كما يبدو، ولكنه أحيانًا وعلى النقيض ليس بذلك السوء، فـ للوجود نكهة حلوة ورائعة، وكذلك يمكنه أن يكون ورطة وفكرة سيئة، هذه المنطقة الرمادية، ما بين الأسود والأبيض مريحة فهي تعبيرٌ جيّد لحالة الاتزان.

أعني بالاتزان إحدى الحالات السامية للروح الإنسانية، حيث ترتفع أفكار الإنسان وعواطفه لتعانق قمم الجبال ولا تكدر صفوه محدثات الزمان ما كان وما هو كائن ولا حتى ما سيكون.

ودفاعًا عن الاتزان، حتمًا هو ليس مثالية، ولا حتى برود، هو صورة من صور النضج، فلا الغلبة من نصيب العقل ولا للقلب سلطة محضة، وإني أرى أن المتزن من يطلق أحكامه ويختار اختياراته ويتخذ قراراته مستندًا ومستمعًا لصوت عقله وقلبه معًا؛ لكونهما أهم محركات ردات الفعل الإنسانية عند التعاطي مع الحياة وكل ما فيها.

التضاد والتخالف هو جوهر تفسيرنا وإدراكنا للأمور، فمعرفتنا بالمفردات تغدو أسهل بوجود ما هو ضدها، فلولا الشر لما عرفنا الخير، ولولا الوجود لما عرفنا العدم، وكذلك لولا الصخب لما تعلمنا معنى الهدوء، ثم إننا لم نكن لندري عن حلاوة الصمت شيئًا ما لم نضق ذرعًا بكثرة الكلام، وفي كلٍ حكاية.

في مساعِيَّ نحو الوصول إلى حالة الاتزان يحق لي مخالطة الحياة والتفكير بأفكار والسماح لنفسي بتجربة المشاعر، مثلًا فالغضب عندي يظهر عبر اعتناقي الصمت، فأحلى صمت هو ذاك المبني على معرفة وعلم أن الكلام لن يجدي بنفعٍ أو يؤثي بثمارٍ

ثم إن الغرق في الصمت والأختناق بالكلمات لأهون من أحاديث خاوية ومكررة، الصمت هو أقوى الأسلحة؛ بالصمت تتسع رقعة تأويلاتهم الداخلية إلى مدى شاسع، مدى مرهق لعقولهم بكل ذلك الكم من الاحتمالات اللانهائية لما ترمي إليه خلف صمتك القاتل.